8 ـ قصَّة المُغيرَة بن شُعبَة

 

 

* حديث سيف في اتّهام المغيرة.

* حديث غير سيف.

* مناقشة سند الحديث.

* مقارنة.

 

حديث سيف:

أورد الطبري في 3 / 170 ـ 171(1) في ذكر حوادث سنة 17 ه‍‍ عن (سيف) عن محمّد وطلحة والمهلَّب وعمرو باسنادهم في زنا المغيرة ما مُلَخَّصه: أن سبب شهادة الشهود بالزنا على المغيرة هي المنافرة التي كانت بين المغيرة وأبي بكرة(2) أحد الشهود، وكان لهما مشربتان متقابلتان بالبصرة لكلّ منهما كُوّة مقابلة الاُخرى.

وفيما كان عند أبي بكرة جماعة يتحدّثون إذ (هبّت ريح ففتحت باب الكُوّة وقام أبو بكرة ليصفقه فبصر بالمغيرة ـ وقد فتحت الريح باب كُوّته ـ بين رِجلي امرأة، فقال للنفر: قوموا فانظروا، ثم قال: اشهدوا، قالوا: ومن هذه؟ قال: اُمّ جميل، وكانت غاشية(3) للمغيرة وتَغشَى الاُمراء والاشراف، فقالوا: إنما رأينا أعجازاً ولا ندري ما الوجه، ثم إنهم صمّموا حين قامت) ثم قال في كيفية شهادة الشهود: إنّ المغيرة قال لعمر: ((سل هؤلاء الاعبُد كيف رأوني؟ مُسْتَقبِلَهُم أو مُستَدبِرَهُم؟

وكيف رأوا المرأة وعرفوها؟ فإن كانوا مستقبليَّ فكيف لم استتر؟!! أو مستدبريَّ فبأي شي‌ء استحلّوا النظر إليّ في منزلي على امرأتي. واللّه ما أتيت إلاّ امرأتي وهي تشبهها)).

ثم ذكر أن أبا بكرة ونافعاً(4) قالا: إنّهما شهداهما مُستدبِريهما، وإن شبلاً(5)  قال: إنه رآهما مستقبلهما، وإن زياداً لم يشهد بمثل شهادتهم، فأمر بالشهود الثلاثة فجُلدوا بالحد، وأنّه قال للمغيرة: ((أما واللّه لو تمّت الشّهادة لرجمتك)).

 

حديث غير سيف:

وأما غير سيف، فقد روى البلاذري في فتوح البلدان ص 423 والماوَردي في الاحكام ص 280: ((إن المغيرة جعل يختلف إلى امرأة من بني هلال يقال لها: اُمّ جميل بنت الافْقَم بن مِحْجَن بن أبي عَمْرو بن شُعْبَة بن الهرم(6) وقد كان لها زوج من ثقيف يقال له الحَجّاج بن عتيك... الخ)). وقد رواها اليعقوبي في تاريخه 2 / 124، وأوردها الطبري وابن الاثير في ذكر حوادث سنة 17 ه‍‍ إلى غيرهم، ونورد تفصيل القصّة عن الاغاني.

ذكر أبو الفرج في ج 14 من الاغاني ص 139 ـ 142 من طبعة ساسي سنة 1959 وأخرجه ابن أبي الحديد في شرح النهج 2 / 161 أنّه: ((كان المغيرة بن شعبة وهو أمير البصرة يختلف سِرّاً إلى امرأة من ثقيف يقال لها الرَّقطاء ولها زوج من ثقيف يقال له الحجّاج بن عتيك، فلقيه أبو بكرة يوماً فقال: أين تريد؟

قال: أزور آل فلان، فأخذ بتلابيبه وقال: إنّ الامير يُزار ولا يَزور، وأنّ المغيرة كان يخرج من دار الامارة وسط النهار فكان أبو بكرة يلقاه فيقول له: أين يذهب الامير؟ فيقول له: إلى حاجة، فيقول: حاجة ماذا؟ إن الامير يزار ولا يزور. قالوا:

وكانت المرأة التي يأتيها جارة لابي بكرة فقال: فبينما أبو بكرة في غرفة له مع أخويه نافع وزياد ورجل آخر يقال له شِبْل بن مَعْبَد، وكانت غرفة جارته تلك مُحاذية غرفة أبي بكرة فضربت الريح باب غرفة المرأة ففتحته فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة(7) ينكحها، فقال أبو بكرة: هذه بلية قد ابتُليتُم فانظروا. فنظروا حتى أثبتوا، فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة، فقال له أبو بكرة: إنه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا، فذهب المغيرة وجاء ليُصلّي بالناس الظهر فمنعه أبو بكرة وقال: لا واللّه لا تصلي بنا وقد فعلت ما فعلت، فقال الناس: دعوه فليصل إنه الامير واكتبوا إلى عمر فكتبوا إليه فورد كتابه أن يقدموا عليه جميعاً، فتجهّز المغيرة وبعث إلى أبي موسى بعقيلة جارية عربية مُربية من سَبي اليمامة من بني حنيفة مُولدة الطائف ومعها خادم وسار المغيرة، حتى قدم على عمر، فجلس له عمر ودعا به وبالشهود فتقدّم أبو بكرة، فقال: أرأيته بين فخذيها؟ قال:

نعم واللّه لكأنّي أنظر إلى تشريم جُدَري بفخذيها قال المغيرة: لقد الطفت النظر، قال أبو بكرة: لم آل أن اُثبت ما يخزيك اللّه به، فقال عمر: لا واللّه حتى تشهد لقد رأيته يَلج فيها كما يَلِج المِرْوَدُ في المكْحَلَة، قال: أشهد نعم ذلك، فقال عمر: إذهب مغيرة ذهب ربعك)).

قال أبو الفرج ويقال: إنّ علياً هو قائل هذا القول، ثم دعا نافعاً، فقال: علام تشهد؟ قال: على مثل شهادة أبي بكرة، فقال عمر: لا، حتى تشهد أنّك رأيته يلج فيها ولوج المِرْوَدِ في المكْحَلَة.

قال: نعم حتى بلغ قذذه، فقال: إذهب مغيرة ذهب نصفك ثم دعا الثالث وهو شِبْلُ بن معبد، فقال: على مثل شهادة صاحبي فقال: إذهب مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك. قال: فجعل المغيرة يبكي إلى المهاجرين فبكوا معه وبكى إلى اُمهات المؤمنين حتى بكين معه قال: ولم يكن زياد حضر ذلك المجلس، فأمر عمر أن يُنحّى الشهود الثلاثة وأن لا يجالسهم من أهل المدينة أحد وانتظر قدوم زياد فلمّا قدم وجلس في المسجد واجتمع رؤوس المهاجرين والانصار قال المغيرة: وكنت قد أعددت كلمة أقولها، فلمّا رأى عمر زياد مقبلاً قال: إنّي لارى رجلاً لن يخزي اللّه على لسانه رجلاً من المهاجرين(8)، وقد روى قول عمر هذا لزياد كل من اليعقوبي في تاريخه 2 / 124، وفي كنز العمال 3 / 88 الحديث 12682، وفي مُنْتَخَبِه 2 / 413 قال عمر: إني أرى غلاماً كَيساً لن يشهد إن شاء اللّه إلاّ بحقّ. وفي الاصابة واُسد الغابة بترجمة شبل قريب من ذلك. وفي رواية أبي الفداء 1 / 171 أن عمر قال لزياد: ((أرى رجلاً أرجو أن لا يفضح اللّه به رجلاً من أصحاب رسول اللّه)).

وفي رواية الاغاني عن أبي عثمان النَّهدي(9): ((أنّه لمّا شهد الشاهد الاول عند عمر تغيّر لذلك لون عمر، ثم جاء الثاني فشهد فانكسر لذلك انكساراً شديداً، ثم جاء الثالث فشهد فكأنّ الرَّماد نُثِرَ على وجه عمر. فلمّا جاء زياد جاء شاب يخطُر بيديه، فرفع عمر رأسه إليه وقال: ما عندك أنت يا سَلَحَ العُقاب(10) وصاح أبو عثمان النَّهدي صيحة تحكي صيحة عمر.

قال الراوي: لقد كدت أن يُغشى عليّ لصيحته.

فقال المغيرة: يا زياد أُذَكّرك اللّه وأُذَكّرك موقف القيامة، فإنّ اللّه وكتابه ورسوله وأمير المؤمنين قد حقنوا دمي إلى أن تتجاوزه إلى ما لم تر.

فقال زياد: يا أمير المؤمنين أما أن اُحقّ ما حقّ القوم فليس عندي، ولكنّي رأيت مجلساً قبيحاً، وسمعت نفساً حثيثاً وانبهاراً، ورأيته مُتَبَطّنها فقال عمر: أرأيته يُدخل ويُخرج كالميل في المكْحَلَة؟ قال: لا! قال أبو الفرج: وروى كثير من الرواة أنّه قال: رأيته رافعاً برجليها ورأيت خصيصته مُترَدّدين بين فخذيها وسمعت حفزاً شديداً وسمعت نفساً عالياً.

فقال عمر: أرأيته يُدْخِله ويُخرجه كالميل في المكحلة؟ قال: لا.

فقال عمر: اللّه أكبر، قم يا مغيرة إليهم فاضربهم، فجاء المغيرة إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب الباقين! وروى قوم أن الضارب لهم الحدّ لم يكن المغيرة. وأعجب عمر قول زياد ودرأ الحدّ عن المغيرة)) انتهى.

وفي رواية الحاكم في المستدرك والذَّهبي في تلخيصه 3 / 448: ((فكبّر عمر وفرح إذ نجا المغيرة وضرب كلّهم إلاّ زياداً))، وفي فتوح البلدان: ((فقال شِبل: أتَجْلِدُ شُهُودَ الحقّ وتُبْطِلُ الحدَّ؟)) فلمّا جُلد أبو بكرة قال: أشهد أنّ المغيرة زان، فقال عمر:

حُدّوه، فقال عليّ: إن جعلتها شهادة فارجم صاحبك. وقريب من هذا ما ذكره في الكنز ومنتخبه، واليعقوبي في تاريخه من موقف علي.

وذكر في الاغاني وشرح النهج: ((فقال أبو بكرة بعد أن ضُرِب: أشهد أنّ المغيرة فعل كذا وكذا، فهمّ عمر بضربه فقال له علي7: إن ضربته رَجَمْت صاحبك ونهاه)).

قال أبو الفرج: ((يعني إن ضربه تصير شهادته شهادتين فيوجب بذلك الرجم على المغيرة قال: فاستتاب عمر أبا بكرة فقال: إنما تستتيبني لتقبل شهادتي؟

قال: أجل، قال: فإنّي لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا، قال: فلمّا ضربوا الحدّ قال المغيرة: اللّه أكبر الحمد للّه الذي أخزاكم، فقال عمر: أُسكت! أخزى اللّه مكاناً رأوك فيه، قال: وأقام أبو بكرة على قوله وكان يقول: واللّه لا أنسى فَخِذَيها. فتاب

الاثنان فَقُبلت شهادتهما، وكان أبو بكرة إذا طُلِبَ إلى شهادة قال: أُطلُبُوا غيري فإنّ زياداً أفسد عليّ شهادتي)).

وذكر بقاء أبي بكرة على رأيه وتوبة الاثنين الاخرين ابن عبد البرّ في ترجمة أبي بكرة. وروى في الاغاني وفي شرح النهج عن الشعبي قال: كانت الرَّقْطاء التي رُمي بها المغيرة تختلف إليه في أيام إمارته الكوفة في حوائجها فيقضيها لها. قال أبو الفرج: وحجّ عمر بعد ذلك مرّة فوافق الرَّقطاء بالموسم فرآها، وكان المغيرة هناك فقال له عمر: أتعرف هذه؟ قال: نعم هذه اُمّ كلثوم بنت عليّ. فقال له: ويحك أتتجاهل عليّ؟ واللّه ما أظنّ أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلاّ خِفْتُ أن أُرمى بحجارة من السماء(11).

فقال حسّان بن ثابت يهجو المغيرة ويذكر هذه القصّة:

                   لَو أنَّ اللُّؤمَ يُنْسَبُ كانَ عَبْداً

                               قبيح الوجه أعورَ من ثَقيف

                 تركت الدين والا سلام لمّا

                              بَدَت لك غُدْوَة ذاتُ النَّصيف(12)

                وراجعت الصّبا وذَكَرت لَهواً

                             مع القينات في العمر اللطيف

انتهت رواية الاغاني وابن أبي الحديد.

وروى البلاذري في ص 343 من فتوح البلدان: أن الخليفة عمر بن الخطّاب لمّا أراد أن يُوَلّيه الكوفة ـ بعد هذه الواقعة ـ قال له: إن وَلَّيْتُكَ الكوفة أتعودُ إلى شي‌ء ممّا قُرِفْتَ به؟ قال: لا.

وممّن أشار إلى زنا المغيرة؛ الحموي في 1 / 642 من معجم البلدان، والمستدرك 3 / 449، والوفيات 2 / 455 و 5 / 406، وابن كثير 7 / 281.

 

مناقشة السند:

في سند الحديث محمّد وطلحة والمهلَّب. وسبق الحديث عنهم في فصل استلحاق زياد. وورد ذكر عمرو، فمن هو عمرو هذا؟ هل هو عمرو بن زيان أو الرَّيان الذي يروي عنه سيف في الطبري ستة أحاديث، قال بترجمته في ميزان الاعتدال: (شيخ لسيف، لا شي‌ء) أم تخيّله سيف غير هذا؟ لا ندري!

 

نتيجة المقارنة:

زعم سيف أن أبا بكرة وأخويه وشِبلاً كانوا جالسين في مشربة مقابل دار المغيرة وعندما هبّت الريح وانفتح باب الكُوَّتين أبصروا المغيرة ينكح امرأة وهو في داره، وأن اُمّ جميل كانت غاشية تغشى المغيرة، وأنهم رأوا أعجازاً ولم يروا الوجه، وأنهم صمَّموا حين قاموا، وأن المغيرة طلب من عمر أن يسألهم كيف رأوه؟  مستقبلاً أم مستدبراً؟ وكيف استحلّوا النظر إلى داره وهو ينكح زوجته التي كانت تُشبِهُ اُمَّ جميل؟ ثم يذكر اختلاف الشهود في كيفية رؤيتهم لهما وأن عمر قال للمغيرة:

لو تمَّت الشهادة لرجمتك. بينما صرَّح الرواة بأن المغيرة كان يختلف سرّاً إلى أُمّ جميل ولم تكن هي التي تأتيه إلى داره وأنهم رأوا المغيرة في دار اُم جميل ينكحها ولم يذكر أحد أنها كانت غاشية له، ولا ذكر أحد سؤال المغيرة من الشهود واختلافهم في

جوابه، إلى غير ذلك مما أوردنا تفصيله. غير أن (سيفاً) لمّا أراد الدفاع عن المغيرة الامير اختلق كل ذلك، وأخرجه الطبري في تاريخه، ورواه رواته فشاع وذاع!!!

 

 

 

 


 

 

 

 

 

9 ـ حَبْس أبي مِحْجَن

 

 

* حديث غير سيف: سُكْر أبي مِحْجَن ونفيه.

* حديث سيف.

* مناقشة سند الحديث.

* مقارنة.

 

 

 

 

 

 


 

 

 

 

حديث غير سيف:

أبو مِحْجَن الثّقفي في الاستيعاب والاغاني، اختلفوا في اسمه، وأبوه حبيب بن عمرو بن عُمَير الثّقفي. أسلم حين أسلمت ثقيف. وكان شاعراً شجاعاً من الابطال في الجاهلية والاسلام. وكان مُدْمناً للخمرة، جلده الخليفة عمر بن الخطاب في الخمر سبع مرّات أو ثماني مرّات، وفي الاغاني ج 21 / 142: ((أُتِيَ عمر بن الخطاب(رض) بجماعة فيهم أبو محجن الثقفي وقد شربوا الخمر فقال: أشربتم الخمر بعد أن حرّمها اللّه ورسوله؟ فقالوا: ما حرّمها اللّه ورسوله، إنّ اللّه يقول: (ليس على الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات جناح فيما طَعِموا إذا ما اتَّقوا وآمنوا وعملوا الصالحات)(13). فقال عمر لاصحابه: ما ترون فيهم؟ فاختلفوا فيه، فبعث إلى عليّ ابن أبي طالب(ع) فشاوره، فقال علي: إن كانت الاية كما يقولون فينبغي أن يستحلّوا الميتة والدَّم ولحم الخنزير. فسكتوا، فقال عمر لعلي: ما ترى فيهم؟ قال:

 (أرى إن كانوا شربوها مستحلّين لها أن يُقتلوا، وإن كانوا شربوها وهم يؤمنون أنّها حرام أن يُحَدُّوا). فسألهم، فقالوا: واللّه ما شككنا في أنّها حرام، ولكنّا قدّرنا أنَّ لنا نجاة فيما قلناه، فجعل يَحُدُّهم رجلاً رجلاً وهم يخرجون، حتى انتهى إلى أبي محجن فلمّا جلده أنشأ يقول:

 

             ألم تَرَ أنَّ الدَّهر يَعثُر بالفَتى‌

                           ولا يستطيعُ المءر صَرْف المقادر

             صبرت فلم أجزع ولم أكُ كائعاً

                           لحادث دهر في الحكومة جائر

             وإنّي لذو صبر وقد مات إخوتي‌

                            ولستُ على الصّهباء يوماً بصابر

              رَماها أمير المؤمنين بِحَتفِها

                          فَخُلاّنُها يبكون حول المعاصر(14)

فلما سمع عمر قوله: (ولست على الصَّهباء يوماً بصابر) قال: قد أبديت ما في نفسك ولازيدنّك عقوبة لاصرارك على شرب الخمر فقال علي7: ما ذلك لك، وما يجوز أن تعاقب رجلاً قال: لافعلنَّ وهو لم يفعل، وقد قال اللّه في الشعراء:

(وإنّهم يقولون ما لا يفعلون)(15).

فقال عمر: قد استثنى منهم قوماً فقال: (إلاّ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات)(16).

فقال علي(ع): أفهؤلاء عندك منهم؟ وقد قال رسول اللّه(ص): ((لا

يشرب العبد الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) انتهى)).

وفي الاصابة: ((دخل أبو محجن على عمر فظنّه قد شرب فقال: إسْتَنْكِهُوه، فقال أبو محجن: هذا من التَّجَسُّس الذي نُهِيت عنه، فتركه)). وذكر الطبري(17) في

حوادث سنة 14 ج 4 / 152 وقال: ((وفيها ضرب عمر ابنه وأصحابه في شراب شربوه وأبا محجن))، وقال ابن كثير في 7 / 48: ((وفيها ضرب أبو محجن الثقفي في الشراب سبع مرات))، وفي العقد الفريد في ذكره من حد في الخمر من الاشراف واشتهر به، ومنهم أبو محجن الثقفي وكان مغرماً بالشراب، وقد حده سعد بن أبي وقاص في الخمر مراراً.

وفي الاصابة أيضاً والاغاني أنّه ((هَوِيَ امرأة من الانصار يقال لها: الشَّمُوس، فحاول النظر إليها بكلّ حيلة فلم يقدر عليها، فآجر نفسه من عامل يعمل في حائط إلى جانب منزلها فأشرف عليها من كُوّة فرآها فأنشد يقول:

              ولقد نظرت إلى الشَّمُوس ودونها

                           حَرج من الرحمن غير قليل

              قد كنت أحسِبني كأغنى واحد

                            ورد المدينة عن زراعة فول

فاستعدى زوجُها عمر فنفاه إلى حضوضى(18) وبعث معه رجلاً يقال له: ابن جهراء النصري قد كان أبو بكر يستعين به، ورجلاً آخر وقال له عمر: لا تَدَع أبا محجن يخرج معه سيفاً، فعمد أبو محجن إلى سيفه فجعل نَصْلَه في غِرارَة وجعل جَفْنَه في غِرارَة أُخرى فيهما دقيق له. فلما انتهى به إلى الساحل وقرب البُوصيِّ(19) اشترى أبو محجن شاة وقال لابن جهراء هَلُمَّ نتغدَّى، ووثب إلى الغِرارة كأنّه يخرج منها دقيقاً فأخذ السيف، فلمّا رآه ابن جهراء والسيف في يده خرج يعدو حتى ركب بعيره راجعاً إلى عمر فأخبره الخبر)) اللفظ لابي الفرج في الاغاني 21 / 138. ط. ساسي، وفي ط بيروت 1959 م: 18 / 219.

وفي الاصابة والاستيعاب أن أبا محجن ذهب بعد هذا إلى سعد بن أبي وقاص، وكان حينذاك أيّام القادسية. ورويا عن محمّد بن سعد بن أبي وقاص أنّه قال: ((لمّا كان يوم القادسيّة أُتي سعد بأبي محجن وهو سكران من الخمر فأمر به إلى القيد، وكان سعد به جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس. واستعمل على الخيل خالد بن عُرْفُطة ورفع فوق العُذَيْب لينظر إلى الناس فلما التقى الناس قال أبو محجن:

                     كفى حزناً أن تَردِيَ الخيل بالقَنا

                                      وأُتْرَكَ مَشدوداً عليّ وثاقيا

فقال لابنة خَصَفَة امرأة سعد: ويحك خلّيني ولك عهد من اللّه عليّ إن سلَّمني اللّه أن أجي‌ء حتى اضع رجلي في القَيد، وان قُتِلتُ استرحتم منّي. فخلّته. فوثب على فرس لسعد يقال لها: البلقاء. ثم أخذ الرُّمح، ثم انطلق حتى أتى الناس فجعل لا يحمل في ناحية إلاّ هزمهم. فجعل الناس يقولون: هذا ملك وسعد ينظر، فجعل سعد يقول: الضَّبر ضَبْر البلقاء(20) والطَّعن طعن أبي محجن وأبو محجن في القيد. فلمّا هُزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، فأخبرت ابنة خصفة سعداً بالذي كان من أمره فقال: لا واللّه لا أحُدُّ اليوم رجلاً أبلى اللّه المسلمين على يديه ما أبلاهم قال: فخلّى سبيله. فقال أبو محجن: لقد كنت أشربها إذ كان يقام عليَّ الحدّ أطَّهَّرُ منها فأما إذا بَهرَجْتني فواللّه لا أشربها أبداً))(21).

 

حديث سيف:

هذا أبو محجن وهذه قصته في القادسيّة على ما رواها محمد بن سعد. وأما (سيف) فقد ذكر في رواية أوردها الطبري(22) في 3 / 43 قال: ((وكان ممّن شغب عليه وجوه من وجوه الناس، فهمّ بهم سعد وشتمهم وقال: أما واللّه لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالاً لغيركم فحبسهم ومنهم أبو محجن الثقفي وقيّدهم في القصر)) وقال(23) في 3 / 55 ـ 57: ((إنّ أبا محجن بعد أن أطلقته زوجة سعد وحارب يوم القادسية رجع إلى سجنه وقيده. فقالت له سلمى: يا أبا محجن في أي شي‌ء حبسك هذا الرجل؟ قال: أما واللّه ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية وأنا امرؤٌ شاعر يدب الشعر على لساني يبعثه على شفتي أحياناً فَيُساء لذلك ثنائي ولذلك حبسني)).

إلى قوله في قيام سلمى بإخبار زوجها سعد: ((واخبرته خبرها وخبر أبي محجن فدعا به فأطلقه، وقال: إذهب فما أنا مؤاخذك بشي‌ء تقوله حتى تفعله.

قال: لا جرم واللّه لا اُجيب لساني إلى صفة قبيح أبداً)).

وقد أورد أبو الفرج رواية سيف هذه في 21 من الاغاني بترجمة أبي محجن فقال: ((حدّثني محمد بن جرير الطبري، قال: كتب إليَّ السَّري بن يحيى عن شعيب عن سيف... الخ))، ثم أورد الرواية تامّة بتفصيلها.

وذكر ابن حَجَر في الاصابة 4 / 175: ((إنّ ابن فَتْحُون قد عاب أبا عمر(24) على ما ذكره في قصّة أبي محجن، أنه كان منهمكاً في الشراب، فقال: كان يكفيه ذكر حدّه عليه، والسكوت عنه أليق، والاُولى في أمره ما أخرجه (سيف)، ثم أورد من رواية سيف ما ذكرناه، ثم قال ابن حجر مؤلف الاصابة: قلت: (سيف) ضعيف

والروايات التي ذكرناها أقوى وأشهر. وأنكر ابن فتحون قول من روى أن سعداً أبطل عنه الحدّ، وقال: لا يُظنُّ هذا بسعد، ثم قال: لكن له وجه حسن ولم يذكره وكأنّه أراد: أن سعداً أراد بقوله: ((لا يجلده في الخمر)) بشرطٍ أضمره. وهو إن ثبت عليه أنّه شربها فوفّقه اللّه أن تاب توبة نصوحاً فلم يعُد إليها... الخ)).

وأورد المسعودي في مروج الذهب 2 / 422 ـ 424 رواية (سيف) هذه بحذف السند، ولا أراه إلاّ أنه قد نقلها من تاريخ الطبري فإنّه قد أكبر الطبري ومجّده عندما ترجم المؤرخين في مقدمة كتابه في حين أنّه لم يذكر سيفاً هناك ولا ذكر تآليفه.

 

مناقشة السند:

روى سيف(25) أن حبس أبي محجن لم يكن لحرام أكله ولا شربه، عن محمد وطلحة وزياد وابن مِخراق عن رجل من طَيّ.

أما محمد وطلحة فقد سبق الحديث عنهما في فصل (استلحاق زياد) وزياد في أحاديث سيف هو ابن سِرْجِس الاحمري روى عنه سيف في تاريخ الطبري 53 حديثاً ولم نجد في غيره له ذكراً!

وابن مِخراق عن رجل من طي، لم أدر من هو ابن مخراق وهل تخيّله سيف المحروق بن المحْراق؟ ومن هو رجل من طي!؟ وما اسمه؟ وهل كان سيف جادّا فيما اخترع من أسانيد لاساطيره، أم كان هازلاً وهازئاً بعقول المسلمين؟!

 

نتيجة المقارنة:

قد رأيت الفرق بين رواية سيف هذه ورواية محمد بن سعد التي أوردناها قبلها من أن أبا محجن قال لزوجة سعد: (وإن قتلت استرحتم مني) ممّا يدلُّ على أن زوجة سعد كانت عالمة بما يعانيه زوجها سعد من أبي محجن، على أن إدمان أبي محجن الشرب وجلده على ذلك مرّات عدة، وتطلّعه إلى دار الانصارية (الشَّموس)

للنظر إليها، ثم نفيه إلى حَضُوضى منفى الخُلَعاء، وقصده الفتك بالحَرَسي، ثم التحاقه بسعد وسجنه على سكره في القادسية، كل ذلك لم يكن بخاف على أحد يوم ذاك ليخفى كله على زوجة القائد العام سعد لتسأل أبا محجن عن سبب سجنه وقد رأيت أن محمد بن سعد يصرّح في روايته أنه: ((لمّا كان يوم القادسية أُتيَ سعد بأبي محجن وهو سكران من الخمر فأمر به إلى القيد)) ورأيت محمد بن سعد هذا يذكر في آخر روايته أنّ سعداً قال: ((لا واللّه لا أحدّ اليوم رجلاً أبلى اللّه المسلمين على يديه ما أبلاهم)) وأنّ أبا محجن قال: ((لقد كنت أشربها إذ كان يقام عليَّ الحدّ فأطهر منها فأما إذا بَهْرَجْتني فواللّه لا أشربها)). أمّا (سيف) فقد وضع تلك المحاورة بين أبي محجن وزوجة سعد ودسّها في روايته ليدفع بها النقد عن سعد بتعطيله الحدّ، وعن أبي محجن على إدمانه السكر، ثم أتمّ الوضع والدسَّ بما وضعه عن لسان سعد: ((ما أنا مؤاخذك لشي‌ء تقوله حتى تفعله)) وما وضعه عن لسان أبي محجن: ((واللّه لا اُجيب لساني إلى صفة قبيح أبداً)) وبروايته الموضوعة هذه نفى (سيف) عن أبي محجن كل ما تواتر عن سكره وجلده وتهتُّكه، ورغب في نشر هذه الموضوعة أمثال ((ابن فتحون)) ممّن لا يرغبون في سماع الوقائع التاريخية الحقّة إذا ما خالفت أهواءهم. وغفل المسعودي ذلك المؤرخ الثبت وجرَّه اعتماده على الطبري إلى إدراجها في تاريخه القيّم ـ مروج الذهب ـ والكريم لا يخلو من هفوة. ومع كلّ ذلك فإنّ (سيفاً) ورواته لم ينجحوا في ستر هذه الواقعة التاريخية لتواتر الروايات الصحيحة الاُخرى في سائر المصادر التاريخية الشهيرة!

 

 


 

 

 

 

10 ـ أيّام اخترعها سَيْف

 

 

 أ ـ يوم الاباقر.

 ب ـ يوم أرماث.

 ج ـ يوم أغواث.

 د ـ يوم عماس.

 هـ ـ يوم الجراثيم.

 و ـ يوم النحيب.

 الايّام في حديث سيف.

 مناقشة سند الحديث.

 حديث غيره.

 مقارنة.

 

 

 

 

 

 

 

يقصد من (اليوم) في اللّغة العربية زمان وقوع حادثة مهمّة وإن طال زمانها حتّى استوعب عدّة أيّام في الاُسبوع، بل وعدّة أسابيع أو عدة شهور.

وكانت للعرب أيّام شهيرة في الجاهلية والاسلام، مثل (يوم الحديبيّة) ليوم صالح فيه رسول اللّه(ص) كفّار قريش وهو بأرض الحديبية قريباً من مكة، و(يوم السقيفة) ليوم بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة من الانصار، و(يوم الجمل) ليوم وقعت فيه الحرب بين الامام علي بن أبي طالب7 وأُمُّ المؤمنين عائشة وهي راكبة على الجمل، و (يوم صفين) للايام الّتي وقعت فيها الحرب بين الامام علي ومعاوية، في أرض صفين وامتدّت شهوراً.

وأُلفت كتب للتعريف بتلك الايّام وذكر ما وقع فيها. ولم يفت سيف بن عمر فخر اختراع أيّام من عنده بل اخترع أيّاماً ودسّها في أحاديثه، وانتشرت في كتب التاريخ والادب، نذكر بعضها فيما يلي:

 

 


 

 

 

1 ـ يوم الاباقر:

حديث سيف:

روى الطبري في 3 / 12 عن سيف عن عبداللّه بن مسلم العُكْلي والمِقدام بن أبي المِقدام عن أبيه عن كَرْب بن أبي كَرْب العُكْلي ـ وكان في المقدّمات ـ أن سعد ابن أبي وقّاص في حرب الفرس نزل عُذَيب الهِجانات. ثم يسترسل في حديثه حتى يقول في ص 12 ـ 14 منه:

((وبعث سعد في مقامه ذلك أسفل الفُرات عاصم بن عمرو فسار حتى أتى مَيْسان فطلب غنماً أو بقراً فلم يقدر عليها، وتحصَّن منه مَنْ في الافدان ووغلوا في الاجام، ووغل حتى أصاب رجلاً على طفّ أجَمَة فسأله واستدلّه على البقر والغنم فحلف له وقال: لا أعلم، وإذا هو راعي ما في تلك الاجمة فصاح منها ثور: كَذِب واللّه وها نحن اُولاء، فدخل فاستاق الثيران وأتى بها العسكر، فقسَّم ذلك سعد

على الناس فأخصبوا أيّاماً. وبلغ ذلك الحجاج في زمانه فأرسل إلى نفر ممّن شهدوها أحدهم نَذِير بن عبد شمس وزاهر فسألهم فقالوا: نعم نحن سمعنا ذلك ورأينا واسْتَقْناها، فقال: كذبتم، فقالوا: كذلك إن كنت شهدتها وغبنا عنها، فقال:

صدقتم فما كان الناس يقولون في ذلك؟ قالوا: آية تبشير يُستدلُّ بها على رضاء اللّه وفتح عدوّنا، فقال: واللّه ما يكون هذا إلاّ والجمع أبرار)). إلى أن يقول: ((وكان هذا اليوم يوم الاباقر))(26).

 

مناقشة السند:

روى سيف الحديث عن عبداللّه بن مسلم العُكلي وعن كرب بن أبي كرب العكلي، راويان عُكْليان لم نجد لهما ذكراً في غير حديث سيف هذا، فلنا أن نعتبرهما من مخترعات سيف من الرواة.

 

حديث غير سيف:

كان هذا سند حديث سيف ومتنه.

أمّا غير سيف فقد رواها بشكل آخر. قال البلاذري(27): إنّ جيوش سعد ((كانوا إذا احتاجوا إلى العلف والطعام أخرجوا خيولاً في البرّ فأغارت على أسفل الفرات، وكان عمر يبعث إليهم من المدينة الغنم والجُزُر)).

هذا ما ذكره غير سيف.

أمّا سيف فإنّه بعدما اختلق بطلاً اُسطورياً سمّاه عاصماً(28) ووضع اُسطورة تكليم البقر له اخترع له سنداً فيه راويان من مختلقاته من الرواة، ثم عزَّزها بثانية وهي تحقيق الحجّاج وشهادة الشهود بصدق القصّة أمامه، وأكّدها بثالثة وهي أنّ اليوم سُمّي ((بيوم الاباقر)) كل ذلك منه إتقاناً في العمل لئلاّ يرتاب أحد في حديثه. ونحن نؤكّد في كلّ مرّة أنّ سيفاً قد تفرّد في سرد هذه القصص لئلاّ يخفى ذلك على أحد.

 

حديث سيف: 2 و 3 و 4 يوم أرماث وأغواث وعماس:

في يوم القادسية(29) وقعت حرب ضروس بين جيش المسلمين والفرس أوردها سيف في أحاديثه عن الفتوح على شكل أساطير سمّى فيها اليوم الاول منها بيوم أرماث، والثاني يوم أغواث، والثالث يوم عماس، واختلق بطولات فذَّة لابطال أساطير من قبيلته تميم كالاخوين القعقاع وعاصم. ثم اخترع لهذه الاساطير رواة روى أساطيره عنهم على صورة أحاديث فقال:

حدّثني فلان عن فلان فأخذ منه الطبري في ذكره حرب القادسية من تاريخه، ومن الطبري أخذ ابن الاثير وابن كثير وابن خَلْدُون في تواريخهم. وترجمها الحموي في معجم البلدان، وأشار إليها ابن عَبْدُون في قصيدته وشرحها ابن بَدْرون(30) وأوردها القَلْقَشَنْدي(31) في ((أيّام الاسلام)) وقد أوردنا تفصيل ما ذكره سيف في هذه الايام في ترجمة القعقاع وعاصم من كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق) وهنا نقتصر على مناقشة سند الحديث فيما يأتي:

 

مناقشة السند:

ورد في سند ستّة من أحاديثه عن هذه الايام في تاريخ الطبري اسم (محمد) و(طلحة) و (زياد) وفي سند حديث واحد اسم (ابن مِخراق) عن (رجل من قبيلة طَيّ) وفي حديث آخر (الغُصن بن قاسم عن رجل من كنانة) وقد ذكرنا في فصل (استلحاق زياد) رأينا في محمد وطلحة وفي حبس أبي محجن رأينا في زياد وابن مخراق والرجل المجهول من طيّ.

أما الغُصن بن قاسم فقد ورد اسمه في سند 13 حديثاً لسيف عند الطبري ولمّا لم نجد له ذكراً فيما بحثنا من كتب الرجال فلنا أن نعتبره من مختلقات سيف من الرواة. وهذا أيضاً يروي عن رجل من بني كنانة ولا ندري ماذا تخيّل سيف اسمه لنبحث عنه في مصادر علم الرجال والتاريخ.

 

5 ـ يوم الجراثيم

حديث سيف:

روى الطبري عن سيف في ذكر حوادث سنة 16 ه‍‍ 15 حديثاً يذكر فيها عبور جيش المسلمين دِجلة إلى مدائن كِسرى في حربهم مع الفرس وسَمّى تلك الواقعة بيوم الجراثيم نورد فيما يلي بعضها:

قال في الاوّل منها(32): قام سعد بن أبي وقّاص ـ القائد العام لحرب فارس ـ‍ بعد القادسية حائراً أمام نهر دجلة وقد فاضت وكانت السنة كثيرة المُدُود فخطب جَيشه وقال لهم: إنَّ عدوّكم اعتصم منكم بهذا البحر يخلص إليكم متى ما شاء في سُفُنِه وأنتم لا تخلصون إليه، وإنّي عزمت على قطع هذا البحر إليه.

ثمَّ قال: من يبدأ فيحمي لنا الفِراض ـ فوهة النهر ـ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو البأس وانتدب معه ستمائة رجل فحاربوهم حتى ملكوا الشاطئ المقابل لهم. وفي آخر هذا الحديث الطويل يقول: ((ولما رأى سعد عاصماً على الفِراض قد منعها أَذِنَ للناس في الاقتحام، فركبوا اللُّجَّة وإن دِجلة لترمي بالزَّبَد، وإنّها لَمُسَوَّدَة وإنَّ الناس ليتحدَّثون في عَوْمِهِم، وقد اقتربوا لا يكترثون، كا يتحدّثون في مسيرهم على الارض)).

وقال في حديث آخر بعده عن القاسم بن الوليد عن عُمَيْر الصائدي: ((وما زال فرس يستوي قائماً إذا أعيى يُنْشَز له تَلعَة(33) فيستريح عليها كأنّه على الارض فلم يكن بالمدائن أمر أعجب من ذلك وذلك (يوم الماء) وكان يُدعى (يوم الجراثيم)(34))). وعزّزها بثانية، روى فيها عن محمد وطلحة والمهلَّب وعمرو: ((قالوا كان يوم ركوب دجلة يدعى: (يوم الجراثيم) لا يعيى أحد إلاّ نُشِزَت له (جُرثومة) يُريح عليها))(35).

وفي التي بعدها قال: ((خُضْنا دجلة وهي تطفح فلمّا كنا في أكثرها ماء لم يزل فارس واقفاً ما يبلغ الماء حِزامه)).

وفي حديث آخر له: ((أنّهم سلموا من عند آخرهم إلاّ رجلاً من بارِق يدعى غَرْقَدَة زال عن ظهر فرس له شَقْراء كأنّي أنظر إليها تنفض أعرافها عُرْياً والغريق طاف، فَثَنى القعقاع بن عَمْرو عِنان فرسه إليه فأخذه بيده وجره حتى عبر، فقال البارقي وكان من أشدّ الناس: أعجز الاخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع! وكان للقعقاع فيهم خُؤُولة))(36).

أخرج هذا الحديث بهذا السند عن سيف أبو نُعَيْم في دلائل النُّبُوّة معتبراً إياه من دلائل نبوة نبينا(ص)(37).

 

مناقشة السند:

لم يذكر الطبري سند الحديث الاوّل، وفي سند الحديث الثاني ورد اسم عمير الصائدي ولم نجد له اسماً عند أحد ولا ذكراً في غير هذا الحديث.

وفي الثالث ورد اسم محمد وطلحة والمهلّب وعمرو. أما محمد وطلحة فقد مضى رأينا فيهما في فصل (استلحاق زياد) وأما المهلَّب فقد تخيّله سيف: المهلب بن عُقْبة الاسدي يروي عنه في الطبري 67 حديثاً ولم نجد له رواية عند غيره ولا ذكراً. وعمرو قد سبق الحديث عنه في فصل المغيرة بن شعبة.

وورد في أسانيد أحاديثه عن يوم الجراثيم ـ أيضاً ـ اسم النضر وهو عند سيف النَّضر بن السَّريّ الضبّي روى عنه في الطبري 24 حديثاً.

وورد اسم ابن الرُّفَيل وهو يروي عند سيف غالباً عن أبيه الرُّفَيل. له عند الطبري 18 حديثاً ولما لم نجد لهذا ومن سبقه ذكراً فيما بحثنا من مصادر الدراسات الحديثية والتاريخية فقد اعتبرناهم من مختلقات سيف من الرواة.

 

عبور جيش المسلمين في حديث غير سيف:

كان ما سبق حديث سيف وسنده عن يوم الجراثيم، أما غير سيف فقد روى الحموي في ترجمة الكوفة(38) عند ذكره توجّه سعد إلى المدائن بعد واقعة القادسيّة وقال: ((وكان الدَّهاقين(39) ناصحوا المسلمين ودَلُّوهم على عورات فارس، وأهدوا لهم وأقاموا لهم الاسواق. ثم توجه سعد نحو المدائن إلى يزدجرد، وقدم خالد بن عرفطة حليف بني زهرة بن كلاب فلم يقدر عليه سعد حتى فتح خالد ساباط‍ المدائن، ثم توجه إلى المدائن فلم يجد معابر فدلّوه على مَخاضة عند قرية الصَّيّادين أسفل المدائن فاخاضوها الخيل حتى عبروا)).

وروى ابن الاثير بترجمة مالك بن عامر بن هانئ بن خفاف الاشعري من اُسد الغابة (4 / 282) قال:

((وهو ـ أي مالك بن عامر ـ أول من عبر دجلة يوم المدائن وقال في ذلك مرتجزاً:

                     إمضوا فإن البحر بحرٌ مأمور

                                     والاوّل القاطع منكم مأجور

                    قد خاب كسرى وأبوه سابور

                                 ما تصنعون والحديث مأثور))

وفي فتوح البلدان ص 323 بعده: ((فجعل الفرس يرمونهم فسلموا، غير رجل من طَيّ يقال له سَلِيل بن يزيد بن مالك السّنبِسي لم يُصَب يومئذ غيره)).

وفي مختصر جمهرة أنساب ابن الكلبي ص 265: ((السليل بن زيد بن مالك ابن المعلّى الذي غرق يوم عبر المسلمون دجلة إلى المدائن ولم يغرق غيره))(40).

 

نتيجة المقارنة:

قال سيف في هذه الاُسطورة إن عاصم بن عمرو التميمي (ذا البأس) هو الذي كسر شوكة العدوّ، وأمّن السبيل لعبور دجلة، ثم عام الجيش في الماء وكلّما أعيى فرس يُنشَزُ له تَلْعَةٌ. وفي رواية قال وسُمّيَ ذلك اليوم بيوم الجراثيم لا يعيى أحد إلاّ نُشِزَت له جرثومة ليستريح عليها. وفي الاخيرة قال إنّهم سَلِموا من عند آخرهم إلاّ رجل يقال له غَرقَدة فأنقذه القعقاع. وكان للقعقاع فيهم خُؤُولة فقال:

اعجز الاخوات أن يلدن مثلك! وللاتقان روى عن الراوي أنه قال: زال عن فرسه الشقراء (كأنّي أنظر إليها تنفض أعرافها عرياً) ليت شعري لِمَ لَمْ تُنْشَزْ تَلْعَة أو جرثومة لذوي خُؤُولة القعقاع كي لا يغرق؟ هذا عند سيف. أمّا الحموي والبلاذري فقد رويا أن الذي أمَّن السبيل خالد بن عرفطة قائد مُقَدَّمة سعد وليس بعاصم، وأن الدَّهاقين الذين كانوا يدلّون المسلمين على عورات الفرس دلّوهم على مخاضة خاضوها بخيولهم. فإذا قارنّا بين روايات سيف وغيره اتضح لنا مدى دسّ سيف فيما يروي من الحوادث التاريخية.

*           *          *

أوردنا فيما مضى أمثلة من روايات سيف عن الفتوح وحوادث عصر الخليفة عمر(رض) وفيما يأتي نورد بعض رواياته في حوادث عصر الخليفة عثمان بعد إيراد يوم سادس من أيّام سيف فيما يلي:

 

6 ـ يوم النحيب:

حديث سيف:

روى الطبري في حوادث سنة ست وثلاثين، عن سيف عن ابن الشهيد، عن ابن أبي مليكة قال:

خرج الزبير وطلحة ففصلا، ثمَّ خرجت عائشة، فتبعها اُمّهات المؤمنين إلى ذات عرق، فلم ير يوم كان أكثر باكياً على الاسلام أو باكياً له من ذلك اليوم، كان يسمّى (يوم النحيب) وأمرت عبدالرحمن بن عتّاب(41)، فكان يصلّي بالناس، وكان عدلاً بينهم، وفي رواية اُخرى (فكان يصلّي بهم في الطريق وبالبصرة حتّى قتل).

روى سيف هذا الحديث في ذكره خبر خروج طلحة والزبير واُمّ المؤمنين من مكة إلى البصرة لحرب الجمل والحديث يشتمل على ثلاثة أخبار.

 

حديث غير سيف:

أ ـ خبر مشايعة اُمّهات المؤمنين لاُم المؤمنين عائشة إلى ذات  عرق، لم نجد لهذا الخبر أثراً غير ما روي من حديث اُم سلمة، أو كتابها إلى عائشة في هذا الشأن وهذا نصّه:

قالت اُم سلمة لعائشة لمّا همّت بالخروج(42):

((يا عائشة! إنّك سُدَّةٌ بين رسول اللّه وأُمَّته، حجابك مضروب على حرمته، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه، وسكن اللّه عُقَيْراكِ فلا تصحريها. اللّه من وراء هذه الاُمّة، قد علم رسول اللّه مكانك لو أراد أن يعهد فيك عهداً، بل قد نَبَّأَكِ عن الفرطة في البلاد، ما كنت قائلة لو أن رسول اللّه(ص) قد عارضك بأطراف الفلوات ناصّة قلوصك قعوداً من منهل إلى منهل؟! إنّ بعين اللّه مثواك! وعلى رسول اللّه(ص) تعرضين، ولو اُمرت بدخول الفردوس لاستحييت أن ألقى محمداً هاتكة حجاباً جعله اللّه عليّ فاجعليه سترك، وقاعة البيت قبرك، حتّى تلقيه وهو عنك راض)).

وفي رواية بعده: ((ولو أنّي حدّثتك بحديث سمعته من رسول اللّه(ص) لنهشتني نهش الرقشاء المطرقة والسلام))(43).

فقالت عائشة: ((يا اُمّ سلمة! ما أقبلني لوعظك، وأعرفني بنصحك. ليس الامر كما تقولين، ولنعم المطلع مطلعا أصلحت فيه بين فئتين متناجزتين)).

ب ـ خبر الاجتماع بذات عرق:

ورد هذا الخبر في حديث غير سيف عن الطبري هكذا:

(لقي سعيد بن العاص(44) مروان بن الحكم وأصحابه بذات عرق، فقال:

أين تذهبون وثاركم على أعجاز الابل؟ اقتلوهم ثمَّ ارجعوا الى منازلكم، ولا تقتلوا أنفسكم(45).

قالوا: بل نسير، فلعلّنا نقتل قتلة عثمان جميعاً.

فخلا سعيد بطلحة والزبير، فقال:

إن ظفرتما لمن تجعلان الامر؟ أصدقاني!

قالا: لاحدنا، أينا اختاره الناس.

قال: بل اجعلوه لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه.

قالا: ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لابنائهم!

قال: فلا أراني أسعى لاُخرجها من بني عبد مناف.

فرجع ورجع معه عبداللّه بن خالد بن اُسيد(46)، فقال المغيرة بن شعبة:

((الرأي ما رأى سعيد. من كان هاهنا من ثقيف فليرجع)).

(فرجع ومضى القوم ومعهم أبان بن عثمان والوليد بن عثمان فاختلفوا في الطريق وقالوا من ندعو لهذا الامر ...) الحديث.

ج ـ خبر إمامة عبدالرحمن بن عتّاب للصّلاة بأمر اُمّ المؤمنين في الطريق وبالبصرة حتى قتل. ورد هذا الخبر في حديث غير سيف هكذا: روى الطبري عن ابن عباس قال:

أذّن مروان حين فصل من مكّة، ثمَّ جاء حتى وقف عليهما ـ أي على طلحة والزبير ـ فقال:

((على أيّكما أُسَلّمُ بالامرة، وأُؤذّن بالصلاة؟)).

فقال عبداللّه بن الزبير: ((على أبي عبداللّه)).

وقال محمد بن طلحة: ((على أبي محمد)).

فأرسلت عائشة2 إلى مروان فقالت:

((ما لك؟ أتريد أن تفرّق أمرنا؟! ليصلّ ابن اختي)).

فكان بعضهم يقول:

((واللّه لو ظفرنا لافتتنّا! ما خلّى الزبير بين طلحة والامر، ولا خلّى طلحة بين الزبير والامر!))

كان هذا الاختلاف في الطريق، أمّا في البصرة فقد قال اليعقوبي في تاريخه:

((انتهبوا بيت المال، وأخذوا ما فيه، فلمّا حضر وقت الصلاة، تنازع طلحة والزبير وجذب كلُّ منهما صاحبه حتى فات وقت الصلاة وصاح الناس: ((الصلاة، الصلاة، يا أصحاب محمد)) فقالت عائشة:

يصلّي محمد بن طلحة يوماً وعبداللّه بن الزبير يوماً)).

وفي طبقات ابن سعد:

فذهب ابن الزبير يتقدّم فأخّره محمد بن طلحة وذهب محمد بن طلحة يتقدّم فأخّره عبداللّه بن الزبير عن أول صلاة فاقترعا فقرعه محمد بن طلحة فتقدّم فقرأ سأل سائل بعذاب واقع.

وفي الاغاني: وقال شاعرهم في ذلك:

              تبارى الغلامان إذ صلّيا

                      وشحّ على الملك شيخاهما

 

             وما لي وطلحة وابن الزبير

                            وهذا بذي الجزع مولاهما

             فاُمّها اليوم غرَّتهما

                          ويعلى بن منية دلاهما(47)

هذا ما كان في متن حديث سيف من خلاف الواقع، وفي سند حديثه ما يأتي:

 

مناقشة السند:

روى سيف حديث (يوم النحيب) عن ابن الشهيد، فمن هو الشهيد والد هذا الراوي؟! وما اسم ابنه الراوي لنبحث عنهما؟ وكيف السبيل الى معرفة من تخيَّلهما سيف؟! لهذا ولانّا لم نجد ذكرا لابن الشهيد في غير حديث سيف فقد اعتبرناه من مختلقات سيف من الرواة!

وروى حديث إمامة عبدالرحمن بالبصرة عن مخلّد بن قيس وهو أيضا من مختلقاته من الرواة(48).

 

نتيجة المقارنة:

روى حديثا صغيرا عالج فيه ثلاث مؤاخذات ترد على سروات مضر وهي:

أولا: ما روى من تقريع اُم سلمة لعائشة لخروجها الى البصرة، فإنّه عالجها بما روى أنّ أُمهات المؤمنين خرجن مشيّعات لعائشة الى ذات عرق، وفيه من خبر إجماعهن على تجليلها في تلك الرحلة وخروجهن مشيعات لها ما يعارض خبر تقريع اُم سلمة لها، ويدحضه!

ثانيا: خبر محاورة سعيد الاموي مع بني اُمية بذات عرق وطلبه منهم ان يقتلوا قتلة عثمان الذين خرجوا معهم يطالبون بدمه.

وخبر محاورته لطلحة والزبير أن يختارا للخلافة أحد أولاد عثمان وامتناعهما من ذلك ثمَّ رجوعه ورجوع من كان معهم من ثقيف.

عالج سيف هذا الخبر بما روى: إنّه ما رُئي أكثر باك من ذلك اليوم حتّى سمّي بيوم النحيب: إذا فما جرى في ذات عرق هو هذا!

هكذا عارض سيف بهذا الخبر؛ الخبر الذي فيه منقصة للصحابة من سادة مضر ودحضه.

ثالثا: خبر النزاع على امامة الصلاة في الطريق وفي البصرة وتعيين اُمّ المؤمنين ابن اُختها ومحمد بن طلحة ابن عمها للامامة قطعا للنزاع.

عالج سيف هذا الخبر بما روى: ان اُمّ المؤمنين عينت عبدالرحمن بن عتّاب للامامة فصلّى بهم في الطريق وبالبصرة حتى قتل، عارض سيف بهذا الخبر خبر النزاع على إمامة الصلاة.

عالج سيف كلَّ ذلك في حديث صغير من مخترعاته، وأيّده بجملة في حديث آخر.

عالج كلَّ ذلك من حيث لا يشعر القارئ ماذا يريد أن يصنع، وروى الخبر عن اثنين من مختلقاته من الرواة.

تفرَّد سيف برواية خبر يوم النحيب بذات عرق وأخذ منه الطبري ومن الطبري أخذ ابن كثير في تاريخه وبذلك نجح سيف فيما أراد من تحريف وتشويش في التاريخ الاسلامي!!!!

 

خاتمة البحث:

رأينا فيما سبق(49) كيف اختلق سيف أياماً شبيهة بالايام التي كانت للمسلمين والعرب في الجاهلية، وعرفنا كيف يتحرى الحوادث الواقعة ليضع نظائرها ويشوّش بها على المسلمين تاريخهم ويدس السم والخرافة في عقائدهم.

*          *          *

ولم تنحصر مخترعاته من الايام على ما ذكرنا(50) بل اكتفينا بما أوردنا قاصدين التعرف على مدى أثر هذا النوع من الوضع على المدوّنات التاريخية لندرس في البحوث الاتية أنواعاً اُخرى من مختلقاته ونتعرف على آثارها ونبدأ بتدارس رواياته في حوادث عصر عثمان.

*          *          *

 

مصادر يوم النحيب:

رواية سيف خبر يوم النحيب في الطبري (1 / 314) وابن كثير (7 / 230).

رواية سيف إمامة عبدالرحمن بن عتاب بالبصرة في الطبري (1 / 3103 ـ‍ 3104).

كتاب اُم سلمة إلى عائشة ـ ابن طيفور بلاغات النساء (ص 8)، والفائق للزمخشري (1 / 290)، والعقد الفريد (3 / 69)، وشرح النهج لابن أبي الحديد (2 / 79)، واليعقوبي في تاريخه (2 / 180) وفي روايته اختلاف مع رواية غيره والزيادة الاخيرة من العقد الفريد.

خبر اجتماع بذات عرق من غير رواية سيف في الطبري (1 / 3103 ـ‍ 3104) ط. أوربا.

خبر نزاع طلحة والزبير على الصلاة في الطبري (1 / 305 ـ 306)، وفي اليعقوبي في ذكره حرب الجمل، وفي طبقات ابن سعد (5 / 39) بترجمة محمد بن طلحة، والاغاني (11 / 120) عن أبي مخنف، وذكر نزاعهما على الصلاة ـ أيضاً ـ‍ المسعودي.

 


 

 

 

 

11 ـ الشورى وبيعة عثمان

 

 

* حديث سيف.

* حديث غير سيف.

* مقارنة.

 

 

 


 

 

 

 

حديث سيف:

روى الطبري في ج 3 من تاريخه ص 292 في ذكر حوادث سنة 23 ه‍‍ (51) عن (سيف) عن عبداللّه بن عمر، قال: قال عمر: إنّي لاعلم أنّ الناس لا يعدلون بهذين الرّجُلين اللذين كان رسول اللّه(ص) نجيّاً بينهما وبين جبريل يَتَبَلَّغُ عنه ويُملي عليهما (يعني علياً وعثمان).

وروى الطبري(52) في ص 266 منه في ذكره حوادث سنة 23 ه‍‍ وفي ص 305(53) منه في ذكره حوادث سنة 24 ه‍‍ عن (سيف) قال: ((اجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث مضين من المحرم وقد دخل وقت العصر، قد أذن صُهَيب واجتمعوا بين الاذان والاقامة فخرج فصلّى بالناس... الخ)).

وروى في ص 305(54) منه عن (سيف) قال: ((لما بايع أهل الشورى عثمان خرج وهو أشدّهم كآبة، فأتى منبر رسول اللّه (ص)، فخطب الناس فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبي (ص) وقال: إنّكم في دار قُلْعَة وفي بقيّة أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد اُتيتم صُبّحتم أو مُسّيتم، ألا وان الدنيا طُويت على الغرُور، فلا تغُرَّنكم الحياة الدنيا ولا يغرَّنكم باللّه الغَرور، اعتبروا بمن مضى ثمَّ جِدّوا ولا تغفلوا فإنّه لايُغفل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها الّذين أثاروا الارض ثمَّ عمروها ومُتّعوا بها طويلاً، ألم تلفِظهم؟ إرموا بالدنيا حيث رمى اللّه بها واطلبوا الاخرة فإنّ اللّه قد ضرب لها مثلاً والذي هو خير، فقال عزّ وجلّ:

(واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ـ إلى قوله ـ‍

أملا(55)) وأقبل الناس يُبايعونه)) انتهى.

 

حديث غير سيف:

هذا مايرويه ((سيف)) في الشورى وبيعة عثمان وخطبته، أمّا الشورى وكيفية تعيين الخليفة من بعد عمر فيظهر للباحث المتتبع أن أبا حفص كان يُفكر في أمر الخلافة من بعده منذ عهد طويل.

روى ابن هشام في السيرة 4 / 336 ـ 337 عن عبدالرحمن بن عوف أنّ عمر قال وهو بمنى عندما قال له رجل: ((يا أمير المومنين هل لك في فلان يقول:

واللّه لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، واللّه ما كانت بيعة أبي بكر إلاّفلتة فتمَّت؟ قال: فغضب عمر، فقال: إنّي ان شاء اللّه لقائم العشيّة في الناس فمُحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. قال عبدالرحمن: فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فان الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فأمْهِل حتّى تقدم المدينة فإنّها دار السُّنة فَتخلُص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة مُتمكّنا، فيعي أهلُ الفقه مقالتك ويضعوها على مواضعها، قال: فقال عمر:

أما واللّه ان شاء اللّه لاقومنَّ بذلك أوّل مقام أقومه بالمدينة)).

ثم يذكر بعده أنّ عُمَر صعد المنبر في أول جمعة قدم المدينة فخطب وقال في خطبته: ((انه قد بلغني أن فلانا قال: واللّه لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، فلايغرنَّ امرأً أن يقول ان بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت، وانها قد كانت كذلك إلاّ  أن اللّه قد وقى شرها، وليس فيكم من تنقطع الاعناق إليه مثل أبي بكر.

فمن بايع رجلا من المسلمين بغير مشورة من المسلمين فإنّه لا بيعة له هو ولا الذي بايعه تَغِرَّة أن يُقتلا... الخ))، وقد ذكرنا بقية اسنادها في ذكر التحصن بدار فاطمة وفي ذكر موقف عمر ورأيه.

وروى ابن أبي الحديد في 2 / 123 عن الجاحظ أنه قال: ((إنَّ الذي قال: لو قد مات عمر لبايعت فلانا، عمار بن ياسر، قال لو قد مات عمر لبايعت عليّا (ع) فهذا القول هو الذي هاج عمر فخطب ما خطب)).

وقال غيره من أهل الحديث: إنّما كان المعزوم على بيعته لو مات عمر (طلحة ابن عبيد اللّه). لايهمنا معرفة الرجل المعزوم على بيعته، وإنّما المهم ان الخليفة قد ذكر في خطبته (المشورة) في أمر الخلافة. ولم يسبق للنبي أن ذكر الشورى والمشورة لتعيين الخليفة من بعده؛ وقد تمت بيعة أبي بكر بغتةً وفلتةً كما صرّح هو بذلك. وإنّ عمر نفسه أيضا قد بويع بتعيين من أبي بكر لا بالشورى والمشُورة. إذا فقد كان أبو حفص أوّل من فكّر في تعيين الخليفة من بعده بطريقة الشورى، ويظهر من تصريحه في هذه الخطبة أنّه كان قد فكَّر في الشورى من قبل أن يطعنه عبد المغيرة بن شعبة فَيرُوز.

أمّا الشورى فقد روى البلاذري في ج 5 من كتابه أنساب الاشراف ص 15 ـ 16، وابن سعد في طبقاته ج 3 ق 1 ص 243: ((إن عمر بن الخطّاب خطب الناس يوم الجمعة فذكر النبي(ص) وأبا بكر، ثم قال: إنّي رأيت كأنَّ ديكاً نقرني ولا أراه إلاّ حضور أجلي، وإن قوماً يأمرونني أن استخلف. وإنّ اللّه لم يكن ليضيع دينه وخلافته والذي بعث به نبيه، فإن عجّل بي الامر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفّي رسول اللّه(ص) وهو عنهم راض، وقد علمت أنّه سيطعن في هذا الامر أقوام أنا ضربتهم بيدي على الاسلام فإن فعلوا فاُولئك أعداء اللّه)).

وروى ابن عبد ربّه في العِقد الفريد 3 / 73، قال: ((لمّا طُعن عمر بن الخطّاب قيل له: يا أمير المؤمنين لو استخلفت؟ قال: إن تركتكم فقد ترككم من هو خير منّي، وإن استخلفت فقد استخلف عليكم من هو خير منّي، لو كان أبو عبيدة الجرّاح حيّاً لاستخلفته، فإن سألني ربّي قلت: سمعت نبيّك يقول: إنّه أمين هذه الاُمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لاستخلفته، فإن سألني ربّي قلت: سمعت نبيّك يقول: إن سالم لَيُحِبّ اللّه حُبّاً لو لم يخف اللّه ما عصاه، قيل له: فلو أنّك عهدت إلى عبداللّه فإنّه له أهل في دينه وفضله وقديم إسلامه، قال: بحسب آل الخطّاب أن يحاسب منهم رجل واحد عن اُمّة محمد(ص) ولوددت أني نجوت من هذا الامر كفافاً لا لي ولا عليّ، ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين لو عهدت. فقال: لقد كنت

أجمعت بعد مقالتي لكم أن أُوَلِّيَ رجلاً أمركم أرجو أن يحملكم على الحقّ ـ وأشار إلى عليٍّ ـ ثم رأيت أن لا أتحمّلها حيّاً وميتاً... الخ)).

وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 16 عن عمرو بن ميمون، قال:

((كنت شاهداً لعمر يوم طُعِن فذكر حديثاً طويلاً ثمّ قال: قال عمر: أُدعوا لي علياً وعثمان وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص فلم يكلم أحداً منهم غير عليّ وعثمان، فقال: يا عليّ لعلَّ هؤلاء سيعرفون لك قرابتك من النبيّ(ص) وصهرك وما أنالك اللّه من الفقه والعلم، فإن وليت هذا الامر فاتَّق اللّه فيه، ثم دعا عثمان وقال: يا عثمان لعلّ هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول اللّه وسِنَّك فإن وَليتَ هذ الامر فاتّق اللّه ولا تحمل آل أبي مُعَيْط على رقاب الناس، ثم قال: ادعوا لي صُهَيْبَاً فَدُعِيَ، فقال: صلّ بالناس ثلاثاً وليَخْلُ هؤلاء النفر في بيت فإذا اجتمعوا على رجل منهم فمن خالفهم فاضربوا رأسه، فلمّا خرجوا من عند عمر قال: إن ولَّوها الاجلح(56) سلك بهم الطريق، قال ابن عمر: فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين؟ قال: أتحمَّلُها حيّاً وميتاً؟)) وقريب منه ما في طبقات ابن سعد 3 ق 1 / 247. وراجع ترجمة عمر من الاستيعاب ومُنْتَخَب الكنز 4 / 429.

وفي الرّياض النضرة 2 / 72 بعد ذكره ما رواه عمرو بن ميمون عن عمر في حق عليّ، قال أخرجه النسائي وفيه أيضاً: ((للّه درّهم إن ولَّوها الاُصَيلع كيف يحملهم على الحقّ وإن كان السيف على عنقه. قال محمد بن كعب: فقلت: أتعلم ذلك منه ولا تُوَلّيه؟ فقال: إن تركتهم فقد تركهم من هو خير مني)).

روى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 17 عن الواقدي بسنده، قال: ((ذكر عمر من يستخلف فقيل: أين أنت عن عثمان؟ قال: لو فعلت لحمل بني أبي معيط‍ على رقاب الناس، قيل: الزبير؟ قال: مؤمن الرضى كافر الغضب، قيل: طلحة؟ قال: أنفه في السماء واسته في الماء، قيل: سعد؟ قال: صاحب مقنب(57)، قرية له كثير، قيل: عبدالرحمن؟ قال: بحسبه أن يجري على أهل بيته)).

وروى عن ابن ميمون: ((إنّ عمر جعل الشورى الى ستة، وقال: عبداللّه بن عمر معكم وليس معه شي‌ء)).

وروى البلاذري في 5 / 18 من أنساب الاشراف عن أبي مخنف: إن عمر بن الخطاب أمر صهيبا مولى عبداللّه بن جدعان حين طُعن أن يجمع اليه وجوه المهاجرين والانصار، فلمّا دخلوا عليه قال: إنّي جعلت أمركم شورى الى ستة نفر من المهاجرين الاوّلين الذين قبض رسول اللّه (ص) وهو عنهم راض ليختاروا أحدهم لامامتكم وسمّـاهم، ثم قال لابي طلحة زيد بن سهل الخزرجي: إختر

خمسين رجلا من الانصار يكونوا معك، فاذا تُوفيت فاستحثَّ هؤلاء النفر حتّى يختاروا لانفسهم وللاُمّة أحدهم ولايتأخروا عن أمرهم فوق ثلاث، وأمر صهيبا أن يصلّي بالناس الى ان يتفقوا على إمام، وكان طلحة بن عبيداللّه غائبا في ماله بالسُّراة(58) فقال عمر: إن قدم طلحة في الثلاثة الايام وإلاّ فلا تنتظروه بعدها وأبرموا الامر واصرموه وبايعوا من تتفقون عليه، فمن خالف عليكم فاضربوا عنقه، قال: فبعثوا الى طلحة رسولا يستحثونه ويستعجلونه بالقدوم فلم يرد المدينة إلاّ بعد وفاة عمر والبيعة لعثمان، فجلس في بيته وقال: أعلى مثلي يُفتات! فأتاه عثمان، فقال له طلحة: إن رددت اتَرُدّه!؟ قال: نعم، قال: فإنّي أمضيته فبايعه. وقريب منه ما في العقد الفريد 3 / 73.

وروى في ص 20 منه قال: إنّ طلحة قال بعد ذلك: ((فإن شئت بايعتك في مجلسك وإن شئت ففي المسجد فبايعه، فقال عبداللّه بن سعد بن أبي سرح: مازلت خائفاً لان ينتقض هذا الامر حتى كان من طلحة ما كان فَوصلَته رَحِم. ولم يزل عثمان مكرماً لطلحة حتى حُصِر فكان اشدّ الناس عليه)).

وروى البلاذري في ص 18 من كتابه أنساب الاشراف بسند ابن سعد قال:

((قال عمر: ليتّبع الاقلّ الاكثر فمن خالفكم فاضربوا عنقه)).

وروى في ص 19 منه عن أبي مخنف أنّه قال: ((أمر عمر أصحاب الشورى أن يتشاوروا في أمرهم ثلاثاً فإن اجتمع اثنان على رجل واثنان على رجل رجعوا في الشورى. فإن اجتمع أربعة على واحد وأباه واحد كانوا مع الاربعة، وإن كانوا ثلاثة (وثلاثة) كانوا مع الثلاثة الذين فيهم ابن عوف إذ كان الثقة في دينه ورأيه

المأمون للاختيار على المسلمين)) وقريب منه ما في العقد الفريد 3 / 74.

وروى أيضاً عن هِشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمر قال: ((إن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتَّبعوا صنف عبدالرَّحمن بن عوف واسمعوا وأطيعوا)) وأخرجه ابن سعد في الطبقات ج 3 ق 1 ص 43.

وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 15 عن الواقدي عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمر قال: ((إنّ رجالاً يقولون إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى اللّه شرَّها، وإن بيعة عمر كانت عن غير مشورة والامر بعدي شورى فإذا اجتمع رأي أربعة فليتَّبع الاثنان الاربعة، وإذا اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتَّبعوا رأي عبدالرَّحمن بن عوف فاسمعوا وأطيعوا، وإن صَفق عبدالرَّحمن بإحدى يديه على الاُخرى

فاتَّبعوه)).

وروى المُتَّقي في كنز العمّال 3 / 160 عن محمد بن جُبير عن أبيه أنَّ عمر قال: ((إن ضرب عبدالرَّحمن بن عوف إحدى يديه على الاُخرى فبايعوه))، وعن أسلم أنَّ عمر بن الخطّاب قال: ((بايعوا لمن بايع له عبدالرَّحمن بن عوف فمن أبى فاضربوا عنقه)).

من كلّ هذا يظهر أنّ الخليفة كان قد جعل أمر الترشيح بيد عبدالرَّحمن بن عوف.

روى البلاذري في 5 / 19 من كتابه أنساب الاشراف أيضاً: ((إنّ علياً شكا إلى عمّه العبّاس ما سمع من قول عمر: كونوا مع الذين فيهم عبدالرَّحمن بن عوف، وقال: واللّه لقد ذهب الامر منّا، فقال العباس: وكيف قلت ذلك يا ابن أخي؟ فقال: إن سعداً لا يخالف ابن عمّه عبدالرَّحمن وعبدالرَّحمن نظير عثمان وصهره فأحدهما لا يخالف صاحبه لا محالة، وإن كان الزبير وطلحة معي فلن انتفع بذلك إذ كان ابن عوف في الثلاثة الاخرين. وقال ابن الكلبي: عبدالرَّحمن بن عوف زوج اُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط واُمّها أرْوى بنت كُرَيْز وأروى اُمّ عثمان فلذلك قال صهره)) وقريب منه في العقد الفريد 3 / 74.

وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 20 عن أبي مِخْنَف: ((أن علياً خاف أن يجتمع أمر عبدالرَّحمن وعثمان وسعد فأتى سعداً ومعه الحسن والحسين فقال له: يا أبا إسحاق إنّي لا أسألك أن تدع حق ابن عمّك بحقي أو تؤثرني عليه فتبايعني وتدعه، ولكن إن دعاك إلى أن تكون له ولعثمان ثالثاً فأنكِر ذلك، فإنّي أُدلي إليك من القرابة والحق ما لا يُدلي به عثمان، وناشَدَهُ بالقرابة بينه وبينه، وبينه وبين الحسن والحسين، وبحقّ آمنة اُمّ رسول اللّه(ص)، فقال سعد: لك ما سألت، وأتى سَعْد عبدالرَّحمن فقال له عبدالرَّحمن: هَلُمَّ فلنجتمع، فقال سعد: إن كنت تدعوني والامر لك وقد فارقك عثمان على مبايعتك كنت معك،! وإن كنت إنّما تريد الامر لعثمان فعليّ أحقّ بالامر وأحبّ إليّ من عثمان، قال: وأتاهم أبو طلحة فاستحثَّهم

وألحَّ عليهم، فقال عبدالرحمن: يا قوم أراكم تتشاحنون عليها وتؤخّرون إبرام هذا الامر أفكُلُّكم رحمكم اللّه يرجو أن يكون خليفة؟ ورأى أبو طلحة ما هم فيه فبكى وقال: كنت أظُنُّ بهم خلاف هذا الحرص، إنّما كنت أخاف أن يتدافعوها)). وفي أنساب الاشراف 5 / 21 روى عن المدائني أنّ عمر أدخل ابنه في الشورى على أنّه خارج من الخلافة وليس له إلاّ الاختيار فقط، قال أبو الحسن المدائني: ولم يجتمع على ذلك.

وروى في ص 21 منه عن أبي مخنف قال: ((لمّا دُفِن عمر أمسك أصحاب الشورى وأبو طلحة يَؤمُّهم فلم يحدثوا شيئاً، فلمّا أصبحوا جعل أبو طلحة يَحُوشُهم للمناظرة في دار المال، وكان دفن عمر يوم الاحد وهو الرابع من يوم طُعِن. وصلّى عليه صهيب بن سنان، قال: فلما رأى عبدالرحمن تناجي القوم وتناظرهم وأنّ كل واحد منهم يدفع صاحبه عنها، قال لهم: يا هؤلاء أنا أُخرج نفسي وسعداً على أن أختار يا معشر الاربعة أحدكم فقد طال التناجي وتطلَّع الناس إلى معرفة خليفتهم وإمامهم واحتاج من أقام الانتظار ذلك من أهل البلدان الرجوع إلى أوطانهم، فأجابوا إلى ما عرض عليهم إلاّ علياً فإنّه قال: أنظر.

وأتاهم أبو طلحة فأخبره عبدالرحمن بما عرض وبإجابة القوم إيّاه إلاّ علياً فأقبل أبو طلحة على علي، فقال: يا أبا الحسن إنّ أبا محمد ثقة لك وللمسلمين فما بالك تخالف وقد عدل الامر عن نفسه فلن يتحمَّل المأثم لغيره، فأحلف عليّ عبدالرحمن ابن عوف أن لا يميل إلى هوى وأن يؤثر الحقّ وان يجتهد للاُمّة، وأن لا يُحابي ذا قرابة فحلف له، فقال: إختر مُسَدَّداً، وكان ذلك في دار المال ويقال في دار المِسْوَر ابن مَخْرَمة.

ثم إنَّ عبدالرحمن أحلف رجلاً رجلاً منهم بالايمان المغلظة، وأخذ عليهم المواثيق والعهود أنهم لا يخالفونه إن بايع منهم رجلاً وأن يكونوا معه على من يناوئه فحلفوا على ذلك، ثم أخذ بيد عليّ فقال له: ((عليك عهد اللّه وميثاقه إن بايعتك أن لا تحمل بني عبد المطلب على رقاب الناس، ولتسيرنَّ بسيرة رسول اللّه(ص) لا تحول عنها ولا تقتصر في شي‌ء منها، فقال عليّ: لا أحمل عهد اللّه

وميثاقه على ما لا أُدركه ولا يدركه أحد. من ذا يطيق سيرة رسول اللّه(ص)، ولكنّي أسير من سيرته بما يبلغه الاجتهاد منّي، وبما يمكنني وبقدر علمي)) فأرسل عبدالرحمن يده ثم أحلف عثمان وأخذ عليه العهود والمواثيق أن لا يحمل بني اُمية على رقاب الناس وعلى أن يسير بسيرة رسول اللّه(ص) وأبي بكر وعمر ولا يخالف

شيئاً من ذلك، فحلف له. فقال عليّ: قد أعطاك أبو عبداللّه الرّضا فشأنك فبايعه، ثم إن عبدالرحمن عاد إلى عليّ فأخذه بيده وعرض عليه أن يحلف بمثل تلك اليمين أن لا يخالف سيرة رسول اللّه وأبي بكر وعمر، فقال عليُّ: عَلَيّ الاجتهاد، وعثمان يقول:

نعم عَلَيّ عهد اللّه وميثاقه وأشدّ ما أخذ على أنبيائه أن لا أُخالف سيرة رسول اللّه(ص) وأبي بكر وعمر في شي‌ء ولا أقصر عنها، فبايعه عبدالرحمن وصافحه وبايعه أصحاب الشورى، وكان عليُّ قائماً فقعد، فقال له عبدالرحمن: بايع وإلاّضربت عنقك، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف، فيقال: إنّ علياً خرج مُغضِباً فَلَحقه أصحاب الشورى، فقالوا: بايع وإلاّ جاهدناك، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان)).

وفي تاريخ مختصر الدول لابن العبري ط. الكاثوليكية بيروت سنة 1958م:

قال عبدالرحمن لعلي بن أبي طالب: هل أنت مبايعي على كتاب اللّه وسنّة نبيّه وسنة الشيخين؟ قال: أمّا كتاب اللّه وسنة نبيّه فنعم وأمّا سنة الشيخين فأجتهد رأيي.

فجاء إلى عثمان فقال له: هل أنت مبايعي على كتاب اللّه وسنة نبيّه وسنة الشيخين، قال: اللهم نعم فبايعه.

وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 24 عن الواقدي: قال: إنَّ عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطب فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أيُّها الناس إنّ أوّل مركب صعب وإن بعد اليوم أياماً وإن أعِش تأتكم الخطبة على وجهها فما كُنّا خطباء وسيُعَلِّمنا اللّه. وفي فَرْش كتاب الخطب من العِقد الفريد 2 / 410 من أُرْتج عليه في خطبته أو في خطبة خَطَبَها عثمان أُرْتِجَ عليه فقال: (أيها الناس ...) الحديث.

وفي البيان والتَّبيين: ((وصعد عثمان المنبر فَارتج عليه فقال: إنَّ أبا بكر وعمر كانا يُعِدّان لهذا المقام ...)) الحديث(59).

وروى البلاذري أنَّ عثمان لمّا صعد المنبر قال: أيّها الناس إن هذا مقام لم اُزوّر له خطبة ولا أعددت له كلاماً وسنعود فنقول إن شاء اللّه.

وروى أيضاً عن المدائني عن غِياث بن إبراهيم أن عثمان صعد المنبر فقال:

((أيّها الناس إنّا لم نكن خطباء وإن نعش تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء اللّه، وقد كان من قضاء اللّه أنَّ عبيد اللّه بن عمر أصاب الهُرْمُزان، وكان الهرمزان من المسلمين، ولا وارث له إلاّ المسلمون عامّة وأنا إمامكم وقد عفوت، أفتعفون؟

قالوا: نعم، فقال عليُّ: أقِد(60) الفاسق فإنّه أتى عظيماً، قتل مسلماً بلا ذنب، وقال لعبيد اللّه: يا فاسق لئن ظفرت بك يوماً لاقتلنّك بالهرمزان)). وروى في‌ص 25 منه أن عثمان خطب فقال: ((إنّ أبا بكر وعمر كانا يُعدّان لهذا المقام مقالاً وسيأتي اللّه به)).

وقد أخرج ابن سعد هذه الخطبة في طبقاته بترجمة عثمان.

وقد جمع الطبري الرّوايات التي أوردناها في قصّة الشورى إلى غيرها وأدمج بعضها في بعض واختزل قسماً منها وأوردها جميعها في سياق واحد في 3 / 292 ـ‍ 302(61) ما عدا خطبة عثمان، فإنّه اقتصر في روايته إيّاها على حديث (سيف) وحده، وإنّما أوردنا ما أوردنا من الروايات الواردة في بعض حوادث الشورى للمقارنة بينها وبين روايات (سيف) اللّتي ذكرنا قسماً منها قبل هذا، واللّتي سنذكرها فيما يأتي، وتركنا التعليق على حوادثها وتحليلها ومناقشة الكتّاب والمؤرخين فيما كتبوا حولها إلى ما سننشر حول السقيفة والشورى إن شاء اللّه تعالى.

وإنّ لسيف ـ غير ما ذكرنا ـ عشرات المئات من روايات موضوعة

ومدسوسة ممّا حرّف بها الحوادث التاريخية وغشّاها بِطِلاء من الدّفاع عن ذوي الجاه والنَّباهَة والاُمراء والاشراف، فَرَغِبَ في نشرها جماعة من كبار المؤرخين، وفي مقدّمتهم الطبري الذي استوعب في ذكره حوادث سنة 11 ـ 27 ه‍‍ قسماً كبيراً منها، ومن راجعها هناك يجد من الوضع والدسّ أمراً هائلاً خطيراً. وممّا وضع للدفاع عن ذوي الوجاهة والسلطة اُسطورة قُمّاذبان الاتية:


 

الهوامش

 

 

q1   ط. أوربا 1 / 2530 ـ 2533.

q2   أبو بَكرَة نُفَيع بن مَسرُوح الحَبَشي . وقيل أبوه الحارث بن كَلَدَة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العُزّى بن عَوْف بن قيس وهو ثقيف ، واُم أبي بكرة سُمية جارية ، وكان من عُبَيْد الحارث . ولمّا حاصر النبي الطائف تدلّى من حِصن الطائف ببكرَة ونزل إلى النبي(ص) ، فاعتقه رسول اللّه وكنّاه أبا بكرة وهو من

موالي الرسول . سكن البصرة وكان ممن اعتزل الجمل بسبب رواية رواها عن الرسول وتوفي بها سنة 51 ه‍‍  . الاستيعاب 3 / 538 و 4 / 24 ، والا صابة 3 / 542 .

q3  . الغاشية: السُّوّال يأتونك والزُوّار والاصدقاء ينتابونك ـ القاموس وفي غيره اخدَم أيضاً.

q4   نافعُ بن الحارث بن كَلَدّة الثقفي واُمّه سميّة مولاة الحارث، وقد اعترف الحارث ببنوته له، وكان ممّن سكن البصرة وأول من اقتنى بها إبلاً واقطعه عمر بن الخطاب عشرة أجربة من أراضيها. الاستيعاب 3 / 512، والاصابة 3 / 514.

q5   شِبْل بن مَعْبَد بن عُبَيْد بن الحارث بن عمرو بن علي بن أسلم بن أحمس البَجَلي الاحمسي ، اختلفوا في أنّه صحابي أدرك النبي أم أنّه تابعي . الا صابة 2 / 159 ، ونسبه في جمهرة ابن حزم ص 389 .

q6   في جمهرة ابن حزم ص 274 بعض الاختلاف مع ما ذكر هنا من نسبها.

q7  . وقد ذكر قصة المغيرة كل من ابن جرير وابن الاثير وأبي الفداء في وقائع سنة 17 ه‍‍ والبلاذري في 1 / 490 ـ 492 بتفصيل أوفى، وفي الطبري ط. أوربا 1 / 2529.

q8   وقد أورده ابن خلكان في 5 / 406 من وَفَيات الاعيان بترجمة يزيد بن مُفَرّغ.

q9   أبو عثمان عبدالرحمن بن مُلّ بن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن سعد بن كعب بن جذيمة بن كعب. أسلم في عصر الرسول وشهد القادسية وما بعدها. مات سنة 100 ه‍‍ بعد أن عمّر أكثر من 130 سنة.

الاستيعاب 2 / 419 ـ 421. ونسبه بجمهرة ابن حزم ص 447.

q10   وفي رواية اليعقوبي 2 / 124 وابن أبي الحديد تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم 12 / 237 قال له عمر: (ما عندك يا سَلَحَ العُقاب) والسلح التّغوّط وهو خاصّ بالطائر وكان زياد يلبس ثياباً بيضا.

q11   وفي رواية اليعقوبي 2 / 124: (وكان عمر إذا رأى المغيرة بن شعبة قال: يا مغيرة ما رأيتك قط‍ إلاّخشيت أن يرجمني اللّه بالحجارة).

q12   ذات النصيف: ذات الخمار.

q13   الاية 93 من سورة المائدة.

q14   وقد حرف سيف هذه القضية ونسب الابيات أيضاً إلى غيره. راجع الطبري حوادث سنة 18 ج 4 / 222.

q15   الاية 226 من سورة الشعراء.

q16   الاية 227 من سورة الشعراء.

q17   في ط. أوربا 1 / 2388.

q18   حضوضى جبل في الغرب كانت العرب في الجاهلية تنفي خلعاءها إليه، وحضوض جزيرة في البحر ـ معجم البلدان للحموي.

q19    . البُوصي بالضم ضرب من السفن (القاموس للفيروزآبادي) .

q20   ضبر الفرس: جمع قوائمه ووثب.

q21   أورد الطبري موجز هذه الرواية عن ابن إسحاق في 1 / 2355.

q22   ط. أوربا 1 / 2288.

q23   في ط أوربا 1 / 2312 ـ 2316.

q24    . أبو عمر هو ابن عبد البر صاحب الا ستيعاب .

q25   عن الطبري ط. أوربا 1 / 2311 ـ 2317 باختصار.

q26   الطبري ط. أوربا 1 / 2231 ـ 2235.

q27   في فتوح البلدان ص 314.

q28   عاصم من مختلقات سيف من الصحابة وقد ترجمناه في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق).

q29   القادسية بينها وبين الكوفة 15 فرسخاً. معجم البلدان.

q30   شرح قصيدة ابن عبدون. ط.ليدن ص 144 ـ 146.(توفي ابن بدرون بعد سنة 608 ه‍‍ ).

q31   القلقشندي (ت 821 ه‍‍ ) في نهاية الارب تحقيق الخاقاني ص 425.

q32   لم يذكر الطبري سند سيف في هذا الحديث واعتمدنا في هذا الفصل على الطبعة الاوربية (1 / 2432 ـ 2441 والحديث الاول 1 / 2432 ـ 2434).

q33   التلعة: ما علا من الارض.

q34   الطبري ط. أوربا (1 / 2438).

q35   الطبري ط. أوربا (1 / 2438).

q36   الطبري ط. أوربا (1 / 2437).

q37   دلائل النبوّة ط. حيدرآباد 3 / 208 ـ 209.

q38   معجم البلدان 4 / 334.

q39   الدهقان: زعيم فلاحي العجم. القاموس.

q40   وكذلك في جمهرة ابن حزم ص 402.

q41   ذات عرق مهل أهل العراق وهو الحد بين نجد وتهامة ـ معجم البلدان، وعبدالرحمن بن عتاب بن اُسيد بن اُبي العيص بن اُمية بن عبد شمس. قتل يوم الجمل في جيش اُم المؤمنين عائشة.

q42   في نسخة: ((كتبت إليها اُم سلمة)).

q43   (السدة) الباب و (لا تندحيه) لا تفتحيه وتوسّعيه، و (العقيرى) مصغر عقر الدار، و(أصحر) خرج إلى الصحراء ـ أي جعل اللّه عقر دارك لك سكنى فلا تبرحيها ـ، و (الفرطة) الخروج والتقدم، و(ناصة قلوصك) مستحثة ناقتك الشابة ومستقصية آخر ما عندها من السير، و(النهش): العض، و(الرقشاء) الافعى المنقطة، و(المطرقة) من صفات الافعى.

q44  سعيد بن العاص بن أُمية، أُمه أُم كلثوم بنت عمرو العامرية، قتل الامام علي أباه يوم بدر.

كان سعيد من أشراف قريش وفصحائهم وأحد الذين كتبوا المصحف لعثمان ولاه عثمان على الكوفة بعد الوليد، اعتزل بعد عثمان الحروب، كان معاوية يوليه المدينة إذا عزل مروان ويولي مروان إذا عزله، ليلقي بينهما العداء، اسد الغابة (2 / 309).

q45  في هذا الحديث يخاطب سعيد الاموي سائر بني اُمية في ذلك الجيش ويطلب منهم أن يقتلوا طلحة والزبير وعائشة، لان ثار عثمان عندهم ثم يرجعوا الى منازلهم، فيجيبونه أنهم يسيرون لعلهم يقتلون جميع قتلة عثمان، يقصدون أنهم يذهبون لعلهم يقتلون مع هؤلاء محمد بن أبي بكر وغيره ممن شارك هؤلاء في قتل عثمان!

q46   عبداللّه بن خالد بن اُسيد بن أبي العيص بن اُمية، استعمله زياد على فارس واستخلفه على الكوفة حين مات فأقرَّهُ معاوية عليها ـ اُسد الغابة (3 / 149).

q47   جزع الوادي منعطفه ويقصد من اُمهما عائشة ويعلى بن اُمية دلاهما بغرور ويعلى اسم اُمه منية بنت غزوان وأبوه اُمية بن عبدة من بني تميم وكان حليفا لبني اُمية كان واليا لعثمان على اليمن وجاء بعد قتله الى مكة واشترك في حرب الجمل، الاغاني (11 / 119 ـ 121).

q48  مجال البحث عنه في: (رواة مختلقون).

q49   ذكرنا في القسم الاول خمسة من أيام سيف وهي يوم الجراثيم ويوم الاباقر ويوم أغواث وعماس وأرماث.

q50   مثل يوم الحيتان، قال سيف: سمّي به يوم غنم فيه جيش سعد بن أبي وقاص في القادسية وقر ثلاثمائة بغل وحمار وثور سمكاً ـ الطبري (1 / 2244) في ذكر يوم القادسية من حوادث سنة 12 ه‍‍ .

q51   ط . أوربا 1 / 2776 .

q52   ط. أوربا 1 / 2727.

q53  ط. أوربا 1 / 2799 ـ 2800.

q54   ط. أوربا 1 / 2799 ـ 2800.

q55 الاية 45 من سورة الكهف.

q56   الاجلح: من انحسر شعره من جانبي رأسه.

q57  المقنب: جماعة من الخيل تجتمع للغارة.

q58  السراة: الجبل الذي فيه طرف الطائف ويقال لاماكن أُخرى.

q59   البيان والتبيين 2 / 250 تحقيق محمد هارون، وتاريخ الخلفاء للسيوطي عند ذكره أوليات عثمان، وابن كثير 7 / 214.

q60  أقاد القاتل بالقتيل: قتله قوداً أي بدلاً.

q61   ط. أوربا 1 / 2776 ـ 2795.